القرطبي

304

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - قوله تعالى : ( كمثل حبة ) الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته ، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب ، ومنه قول المتلمس : آليت حب العراق الدهر أطعمه * والحب يأكله في القرية السوس وحبة القلب : سويداؤه ، ويقال ثمرته وهو ذاك . والحبة بكسر الحاء : بذور البقول مما ليس بقوت ، وفى حديث الشفاعة : ( فينبتون كما تنبت الحبة في حميل ( 1 ) السيل ) والجمع حبب . والحبة ( بضم الحاء ( 2 ) ) الحب ، يقال : نعم وحبة وكرامة . والحب المحبة ، وكذلك الحب ( بالكسر ) . والحب أيضا الحبيب ، مثل خدن وخدين وسنبلة فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل ، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالاسبال . وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشئ بإسبال الستر عليه . والجمع سنابل . ثم قيل : المراد سنبل الدخن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد . قلت : هذا ليس بشئ فإن سنبل الدخن يجئ في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر ، على ما شاهدناه . قال ابن عطية : وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة ، فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر . وقال الطبري في هذه الآية : إن قوله ( في كل سنبلة مائة حبة ) معناه إن وجد ذلك ، وإلا فعلى أن يفرضه ، ثم نقل عن الضحاك أنه قال : " في كل سنبلة مائة حبة " معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة . قال ابن عطية : فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال ، وذلك غير لازم من قول الضحاك . وقال أبو عمرو الداني : وقرأ بعضهم " مائة " بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة . قلت : وقال يعقوب الحضرمي : وقرأ بعضهم " في كل سنبلة مائة حبة " على : أنبتت مائة حبة ، وكذلك قرأ بعضم " وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم " على " وأعتدنا لهم عذاب السعير ( 3 ) " وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " أنبتت سبع سنابل " بإدغام التاء في السين ، لأنهما مهموستان ، ألا ترى أنهما يتعاقبان . وأنشد أبو عمرو :

--> ( 1 ) حميل السيل : ما يحمل من الغثاء والطين . ( 2 ) في ه‍ . ( 3 ) راجع ج 18 ص 211